المساعد الشخصي الرقمي


مشاهدة النسخة كاملة : نحو رؤية صافية


المغوار
20-02-2014, 11:25 AM
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
تحيه طيبة لكم جميعا .
مقال اعجبني بعنوان نحو رؤية صافية
بقلم
ناصر الكندي

تصل بعض المجتمعات أحيانا إلى أقصى درجات تخلفها حين يغدو الذوق أو الحس العام من نصيب المتكلفين, ذلك التكلف الذي يعتبر معيارا للحكم على الأشياء, حين لا تملك الحواس القدرة على التمييز بين الرديء والجيد, وحين يغدو القبيح جميلا والنشاز متناغما والكذب صدقا. حينئذ, تدق ساعة الاحتضار, وتبدأ الملكات المجنحة بالسقوط من سمائها إلى قبور الدهماء, وتُبتلعُ المواهب بدون تقيؤها, وتنقل سلطة النقد إلى الجميع, ليكون الأكاديمي تحت رحمة الصحفي, والشاعر تحت رحمة التاجر, والمثقف تحت رحمة السلطة, والفنان تحت رحمة الموضة, والطبيب النفسي تحت رحمة مجانينه, والملوك على دين شعوبهم بدلا من أن تكون الشعوب على دين ملوكها.


في هذا الوضع, يصبح الإنسان شاذا إن لم يمارس مهارة الحرباء في التلون, فإبقاؤه على لونه أمام الألوان الأخرى التي ينصدم بها سوف يهدده إن لم يعدمه, هذا في حالة أن له لونا أصيلا يخفيه لكيلا يموت بسببه, لكن يحدث أن هذا الانسان قد يفقد حتى ميلانين لونه ويغدو لونه عديم اللون, ويفقد بالتالي بوصلته المرهفة التي تتلمس الحقيقة والجمال بين الركام البليد, لتتلاطم به الأمواج المغرقة للذات, ويصبح البحث عن اليابسة أمرا غريبا.


وللتحليل النفسي دوره الفاضح في وصف هذه الحالة من التقوقع على الذات, هذه الحالة العصابية التي تمنع الإنسان من إدراك المسافة بينه وبين الواقع الذي يحيط به, فتجده –بسبب عدم تجاوزه لغرائزه– يتعامل مع الأشياء من موقع الأناني الذي يستحضر الأب أو الآخر دائما قبل اتخاذ أي فعل, فهو يريد بهذا الفعل أن يقهر الأب في نفسه مما يفوت عليه إدراك الواقع الذي سيظل ينظر إليه من منظور عصابي. وهذا الأب يتمثل أحيانا في الدين أو الجنس أو الأيديولوجيا. الدين عندما يكون العصابي مدافعا عنه لدرجة تكفير الآخر والخوف من التسامح معه, او عندما يكون نافرا منه وبالتالي رميه كلية إلى خانة التخلف. أما الجنس, فهو النظر إلى الأنثى من منظور ذكوري وتحريمها بالخطيئة وحرمانها من أبسط حقوقها, أو النظر إليها بالمقابل على أنها متاع أو أداة تستخدم للاستهلاك. والايديولوجيا من منظور التطرف الفكري, عندما تتخندق الافكار, ويصبح التعصب للفكر بعيدا جدا عن علاقته بالواقع.


هنا تضلّ الحقيقة طريقها, ويفسد الذوق, ويتحول ذلك الكائن البشري من كونه نسر الإنسانية الذي ينظر إلى الأشياء من علٍ, وينقض على فرائسه من الروائع بسرعة خاطفة, إلى حيوان الخلد الأعمى, الذي لا يهمه سطح الأرض بقدر ما تهمه حفر أنفاقها المظلمة التي لا تستهدف النور أبدا, فعندما يُسأل هذا العصابي عن سبب التخلف في العالم العربي مثلا سيقول الدين وليس غيره, وبأنه سبب الحروب والمجازر, وإذا كشفت له عن تيارات ايديولوجية متطرفة غير دينية مثل النازية أو الفاشية, تجده مستاء من هذا التوسع ويستبد برأيه دون أن يوسع فكره قليلا إلى طريقة تفكير أوسع تقبل الخلاف وتصهره بالتسامح. وفي مثال آخر, يقوم أحدهم بصب كل الانتقاد على طائفة دينية معينة ويتهمها بالتشدد والتطرف, ولكن عندما تسأله عن الطوائف الأخرى إن كانت متشددة, تجده يجيب بأن السؤال هروب عن حقيقة تلك الطائفة عبر مقارنتها بغيرها, مع أن هذه المقارنة تفترض توسعا أكبر في أسباب التشدد المتعلق بالخطاب المسيطر الذي يهيمن على كل الطوائف وليس في طائفة بعينها!


من جانب آخر, هناك دعاة لتسطيح وتنسيب الأشياء بدعوى عدم وجود ما يسمى بالحقيقة, فهؤلاء –عديمو اللون- يقولون بلا جدوى الدفاع عن قضايا هي ليست حقيقية بقدر ما هي وهم إنساني, فلا يوجد في الحقيقة ثقافة ولا أدب ولا فن ولا فكر, توجد غرائز ورغبات شبقية وعدمية قاتمة. إذا كان هذا قول العقل البارد, فما هو قول المشاعر والأحاسيس؟ فالفرح والألم والطموح والتلذذ حقائق رغم أنف العقل, والأذن حين لا تتلذذ إلا بصوت موسيقي متناغم وتأنف النشاز والاعتراضات, أوليس الذوق هنا حقيقة؟ والعين حين تعشق المناظر الآسرة التي تحترم تناسق الألوان والظلال, أليس الفن هنا إذن حقيقة؟ والبحث عن السعادة و السمو والتفرد, بغض النظر عن ما يسفر عنه هذا البحث أحيانا من ألم وشقاء, ألا تعتبر هذه حقائق ينبغي أن نلتفت إليها؟


إن الإنسان الجميل هو من تسقط أمامه أقنعة التعصب, ويكشف مناطق التسامح بين حدود النزاعات, فلا تعميه الطموحات ولا تستبد به الغرائز التي تبعده عن الواقع, ما أروع قول هوجو على لسان شخصية لامرأة في روايته "ملائكة من اللهب" حين سألها الجنود عن من قتل زوجها: أهم أصحاب القمصان الزرق ام الحمر؟ فقالت: قتلته رصاصة! وما أجمل تعبير تولستوي عندما كان يشاهد جمال شكل الانسان بغض النظر عن دمامة وجهه -أي وجه تولستوي- إذ يقول: ما أجمل أن يكون الإنسان جميلا!! وما أجمل من يرى إلى الطبيعة كأنها موسيقى في حركاتها, فها هو "أناتول فرانس" يقول: إن الحركات الرشيقة هي موسيقى العين. وأخيرا, ما أجمل دعوة شاعر الرومانسية العربي الخالد "إيليا أبي ماضي" في حب الحياة, و أن تشحن النفس بالجمال لكي تستمتع بالجمال حين يقول: والذي نفسه بغير جمال,, لا يرى في الوجود شيئا جميلا.

نجود البلوي
20-02-2014, 04:56 PM
من جانب آخر, هناك دعاة لتسطيح وتنسيب الأشياء بدعوى عدم وجود ما يسمى بالحقيقة, فهؤلاء –عديمو اللون- يقولون بلا جدوى الدفاع عن قضايا هي ليست حقيقية بقدر ما هي وهم إنساني, فلا يوجد في الحقيقة ثقافة ولا أدب ولا فن ولا فكر, توجد غرائز ورغبات شبقية وعدمية قاتمة. إذا كان هذا قول العقل البارد, فما هو قول المشاعر والأحاسيس؟ فالفرح والألم والطموح والتلذذ حقائق رغم أنف العقل, والأذن حين لا تتلذذ إلا بصوت موسيقي متناغم وتأنف النشاز والاعتراضات, أوليس الذوق هنا حقيقة؟ والعين حين تعشق المناظر الآسرة التي تحترم تناسق الألوان والظلال, أليس الفن هنا إذن حقيقة؟ والبحث عن السعادة و السمو والتفرد, بغض النظر عن ما يسفر عنه هذا البحث أحيانا من ألم وشقاء, ألا تعتبر هذه حقائق ينبغي أن نلتفت إليها؟


مقال رائع جدآآ

أ\المغوار ... سلمت الأيادي