المساعد الشخصي الرقمي


مشاهدة النسخة كاملة : هكذا تلد النساء في أرض الشام


مديرة مختبر
30-03-2014, 12:09 PM
كان صراخُ المواليد الخمسة يشقّ سماء ( دوما )
ولكنّ صراخَ أمَّهاتِهم كان أعلى بكثير ... ...

دخلت الحوامل الخمس إلى البيت التي اصطلح أهل دوما على تسميته
(( مستشفى )) وقد دبّ فيهنّ الطلق
جاءت الطبيبة المتبقيّة في دوما لتكشف عليهن:
- الحالة ولادة فوريّة والمولود يجب أن يرى النور وإلّا فقد يختنق في بطن أمّه.
- طيّب دكتورة ما المطلوب ؟؟؟؟
- المشكلة أنّ الولادات الخمس قيصرية ! ! ! ! ! ! !
- طيّب ...
- نحتاج إلى تخدير وتجهيزات وهي غير متوفّرة والتخدير المتوفّر يكفي لنصف حالة تخدير فقط ؛ أي ستبقى الحوامل بكامل الإحساس أثناء العمليّة.
- والحلّ ؟
- ساعدوني بصبيّة من عندكم تمسك الجوال ليضيء ظلام الغرفة وستساعدني الممرّضة ولكن .....
- ماذا ؟؟؟
- خمس حالات ليست سهلة؛ سأكون غير مسؤولة عن النتائج
أنا فقط سأبذل جهدي وعلى الحوامل أخذ العلم أنّ ألماً رهيباً بانتظارهنّ.

لفّ الصمت الرهيب الممرّ الذي جمع خمسة عشر شخصاً ما بين رجل وامرأة لم يكن أمامهم إلا الانصياع الكامل لكلام الطبيبة وليقولوا جميعاً دون استثناء :
- اتكلي على الله ...

قامت الطبيبة أولاً بتقدير الحالة الأخطر ونقلها إلى الغرفة الداخليّة
وأبقت الحوامل الأخريات في أقصى غرفة في المنزل وأغلقت دونهنّ كلّ الأبواب لئلّا يُصَبْنَ بالذعر من صوت صاحبتهنّ بعد قليل.

نادت إحدى السيدات الواقفات ابنتها:
- عُلا .......
- نعم ماما
- ادخلي يا بنتي وساعدي الطبيبة
- حاضر
لم يكن أمام الصبيّة (( عُلا )) خيار إلا الانصياع وهي تجهل تماماً ما ينتظرها
وخلال 10 دقائق كانت الممرّضة قد حضَّرت ماتيسَّر بين يديها من أدوات وأدوية
- دكتورة ... نحن جاهزون
- طيّب دقيقتان ونقول بسم الله.

انزوت الطبيبة تصلّي وتضرع إلى الله تعالى
وتذرف بقيّة دموعٍ من عينيها الحمراوين

- بسم الله
غرزت الطبيبة قليلاً من المخدّر في عِرق المرأة الذي لم تكد تراه إلا بشقّ الأنفس غارقاً في ساعدٍ هزيل بعد أشهرٍ قضتها في الجوع الشديد والحمل المضني
استسلمت المرأة الولّادة لقضاء الله وللطبيبة استسلاماً كاملاً
لم يكن التخدير ذا أثر كبير والطبيبة أدركت ذلك تماماً
لذا تماسكت الطبيبة وتجلّدت وأمسكت بالمشرط
((((( وشقَّت .................. )))))
لم يكن الصوت الذي دوّى في أرجاء البيت كلّه غريباً على الطبيبة ولا مستهجناً عندها
أمَّا (( عُلا )) المسكينة وهي الوحيدة من الأقرباء في الداخل فكاد الجوّال يسقط من يدها وهو الوسيلة الوحيدة للإضاءة في الغرفة المظلمة
والأهل الواقفون عند الباب شحبت وجوههم
والرجال كلٌ منهم تسمّر في مكانه لا يبرحه، ولا يرفع بصره أو يحرّك عينيه وهو يحدّق في اتجاه واحد كأنما ينظر نجماً باهتاً في جدار البيت الكئيب
وبعد برهة قصيرة أداروا ظهورهم واتجهوا صوب باب البيت رحمةً بالنساء وإشارةً منهم بالموافقة على انطلاق موجة من البكاء الحادّ والدعاء والتضرّع

لم تكد المسكينة (( عُلا )) تريح أذنيها لثانية واحدة من صوت الصرخة الأولى حتى انطلقت الولّادة تصرخ بصوت ثانٍ وبشدّةٍ تبعه ثالثٌ ورابعٌ .... وعاشر
- سأموووووووووووووووووت
قالتها المرأة الممدّدة وهي تتمنّى لوليدها الحياة

الطبيبة والممرّضة وحدهما أخذتا إذناً بتأجيل دورهما في البكاء.

كانت النسوة عند الباب ينتظرن سماع صوت صراخ مختلف
مرّت لحظات شديدة الوطء ليستنشق الوليد بعدها الهواء
وليصرُخ صرخةً يعلن فيها وصوله إلى محطة الحياة الدنيا بسلام
- لا يوجد عندنا سيروم ؟؟؟
سؤال أطلقته الطبيبة أملاً منها أن تسمع جواباً مختلفاً
اكتفت الممرضة برفع حاجبيها وهي تسحب الصغير لتناوله لإحدى النساء التي جهّزت وعاءً مع قليل من الماء والصابون وقماشةً رقيقةً لا تمنع حرّاً ولا قرّاً

عادت الممرّضة بسرعة لتساعد الطبيبة في خياطة الجرح ولتسكب عليه نتفة من الدواء المتبقّي والذي تمّ تقسيمه اليوم على خمسة أقسام

(( علا )) المسكينة تسمّرت في مكانها لم يعد بمقدورها أن تتحرّك
قدّرت الموقف وتماسكت قليلاّ مستعينة بالله ثمّ بما بقي لديها من أعصاب

بينما كانت النسوة يبكين من الفرح بالمولود وقلبهنّ يتفطر على المسكينة التي أجريت لها العمليّةالقيصريّة ((((((( بنصف تخدير )))))))
تعلّقت العيون المغرورقة بالدموع بالباب متى سيُفتح

مرّت دقائق أخرى ببطء شديد ... ما أثقلها

وفجأةً فُتح الباب وأطلّت الممرّضة برأسها:
- أرجو من الرجال الأقارب الدخول ليحملوا الأمّ إلى الغرفة المجاورة.

دلج الرجال ولا تزال المرأة تصيح
وقد هدّها التعب وكادت حبالها الصوتيّة أن تتقطّع

نقل الرجال المرأة المسكينة إلى الغرفة المجاورة وهي ترتجف من شدّة البرد إذ لا وسيلة تدفئة في المكان على الإطلاق
وبقيت المرأة تصكّ أسنانها من البرد والسرير يهتزّ تحتها بشكل ملحوظ

تكرّرت المأساة خمس مرّات متلاحقة
وكتب الله للجميع النجاة والسلامة

(( وليكون حظ (( علا )) المسكينة وافراً ... فقد تمّ إدخال مصابَين اثنين أثناء العمليّات ليخرجوا ويمرُّوا أمامَ عينيها جثّتين هامدتين ))

أنهت الطبيبة آخر ولادة وانطلقت إلى الغرفة الأولى لتطمئنّ على المرأة النفساء فوجدتها بخير لكنها لا تزال ترتجف من البرد وهي تتمنّى كيساً من السيروم لوليدها إذ ليس بمقدورها إرضاعه فأجابتها الطبيبة:
- والله ياريت لا يوجد وضروري بعد العمليّة أن يبقى السيروم معلقاً لك وأرضعي وليدك قدر استطاعتك. وأعتذر فليس هنالك دواء التهاب أيضاً

تكرّر نفس الكلام للولّادة الثانية فالثالثة فالرابعة فالخامسة والممرّضة تنتقل مع الطبيبة بخفّة كظلّها
وما أن انتهتا حتى التفتت كلٌّ منهما بعد ذلك قائلتان بصوت واحد :
- الحمد لله

وألقت كلٌ منهما برأسها على كتف الأخرى وتعانقتا باكيتين بشدّة تتناسب مع ألم النساء الخمسة وأمّهاتهنّ ومواليدهنّ .

تعانق الرجال وبكوا بسخاء وهم لا يجدون شيئاً يجودون فيه بسخاء غير دموعهم
((( وإذا رأيت دموع الرجال فاعلم أن في النفوس ما يهدّ الجبال )))
لم يجد الرجال ولا النساء ( شيئاً يقدمونه للولّادات )
لتزداد بذلك المعاناة وترتفع نسبة القهر

أمّا (( علا ... ... ))
فهي التي رأت اليوم ما لم تره من قبل
وخطّت بحروف من دمٍ قصّة في ذاكرتها لن يمحوَها كرُّ الأيّام

فقد سطَّرت (( علا )) في ذهنها صفحة فريدة
صفحة مليئة بالتعب والإرهاق النفسي
صفحة مليئة بالصراخ والآهات التي لم تتوقّف
صفحة مليئة بمشاهد رُسمَت على لوحة تمّ نَحتُها بدقَّة في ذاكرتها المتعبة المكدودة
صفحة مليئة بكلّ ما لا يتناسب مع آمال الفتيات

جلست متأملة عندالمساء وقد جفاها الرقاد تراجع يومها الفريد
مستلهمة منه أملاً وهي تطالع ضوء القمر ... ... ... ...
أملاً تستوحيه من صوت الأطفال الخمسة*
أملاً ينبع من ضوء الجوال الذي داعبَ على استحياءٍ يد الطبيبة ووجنة المولود
أملاً أنار للمواليد طريق عبورهم من رَحِمٍ رحيمٍ إلى غدٍ أليم

أما النساء القريبات فكان جلّ دعائهنّ :

(( يارب أجِّل لنا الحمل إلى أن تتحسَّن الظروف ))

نجود البلوي
30-03-2014, 09:57 PM
قصه مؤثره جدآآآ ,, نصر الله اهل سوريا وبدل احزانهم وآلامهم فرج وسعاده

الحمدلله على نعمة الأمن والأمان ,

أ\فائزه العامري ,,, سلمت يداكِ موضوع شيق وواقعي

يسلموو

مديرة مختبر
30-03-2014, 10:53 PM
الحمدلله على نعمة الأمن والأمان ,



الحمدلله .......

أ\ نجود جزاك الله خيرا